مستجدات قانون المسطرة الجنائية المغربي: شرح شامل للقانون 03.23 ودورية النيابة العامة 2025
يُعد القانون 03.23 أكبر إصلاح لقانون المسطرة الجنائية المغربي منذ صدوره، حيث شمل تعديل وإضافة أكثر من 420 مادة. يدخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025.
- 286 مادة تم تغييرها وتتميمها
- 106 مادة جديدة مضافة
- 62 مادة تم تعويضها
- 5 مواد محذوفة
مقدمة
يشكل قانون المسطرة الجنائية العمود الفقري للنظام الإجرائي الجنائي، باعتباره الإطار المنظم لكيفية تحريك الدعوى العمومية، ومباشرة البحث والتحقيق، وضمان حقوق الدفاع، وتحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع في الزجر ومصلحة الفرد في الحرية.
وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 03.23 المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 ليُحدث مراجعة شاملة وعميقة لمقتضيات المسطرة الجنائية، مستجيبًا لتحولات دستورية وحقوقية ومؤسساتية متسارعة.
وقد أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية تفسيرية تروم توحيد فهم هذه المستجدات وضمان حسن تنزيلها على مستوى الممارسة العملية، سواء من طرف النيابة العامة أو قضاة الحكم والتحقيق وضباط الشرطة القضائية.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل مستجدات قانون المسطرة الجنائية في ضوء القانون 03.23، من خلال استقراء مضامين الدورية، مع الوقوف عند أبرز التحولات التي طالت مراحل الدعوى الجنائية، وتقييم مدى مساهمتها في تعزيز المحاكمة العادلة وترشيد العدالة الجنائية.
المحور الأول: الإطار العام وفلسفة التعديل التشريعي
أولًا: سياق إصدار القانون 03.23
يأتي تعديل قانون المسطرة الجنائية في سياق وطني ودولي يتميز بتعاظم الاهتمام بحقوق الإنسان، وتكريس ضمانات المحاكمة العادلة، كما هو منصوص عليه في دستور 2011، ولا سيما الفصول 23 و120 و128. كما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وقد أبرزت الدورية أن القانون 03.23 لم يكن مجرد تعديل جزئي، بل مراجعة هيكلية شاملة.
| نوع التعديل | عدد المواد |
|---|---|
| تغيير وتتميم | 286 مادة |
| إضافة مواد جديدة | 106 مادة |
| نسخ/تعويض | 62 مادة |
| حذف | 6 مواد |
| المجموع بعد إعادة الترتيب | 420 مادة |
ثانيًا: الأهداف الكبرى للتعديل
- تعزيز ضمانات الحرية الفردية: خصوصًا في مرحلتي البحث والاعتقال الاحتياطي
- عقلنة السياسة الجنائية: عبر توسيع بدائل المتابعة والاعتقال
- تحديث وسائل البحث والتحقيق: بما يساير التطور التكنولوجي
- تقوية دور النيابة العامة: باعتبارها سلطة قضائية مستقلة
- توحيد الممارسة القضائية: وتفادي التناقض في تطبيق النصوص
المحور الثاني: مستجدات القواعد العامة والبحث التمهيدي
أولًا: إعادة ضبط اختصاصات النيابة العامة
كرّس القانون 03.23، كما فسّرته الدورية، الدور المركزي للنيابة العامة في تحريك وممارسة الدعوى العمومية، مع توسيع صلاحياتها في الإشراف الفعلي على البحث التمهيدي. ولم يعد دورها يقتصر على التتبع اللاحق، بل أصبح إشرافًا قبليًا ومواكبًا لإجراءات البحث.
كما تم تعزيز سلطتها في توجيه أوامر البحث، ومراقبة شرعية إجراءات الشرطة القضائية، وضمان احترام حقوق المشتبه فيهم.
ثانيًا: توسيع وتنظيم اختصاصات الشرطة القضائية
أعاد المشرع تنظيم مهام الشرطة القضائية بشكل دقيق، مع توسيع دائرة ضباطها، وربط ممارستهم لاختصاصاتهم برقابة النيابة العامة. وأكدت الدورية على ضرورة التقيد الصارم بالأوامر الصادرة عن النيابة العامة، واحترام الآجال القانونية، وترتيب المسؤولية التأديبية والجنائية عند الإخلال بالواجبات.
ثالثًا: مستجدات البحث التلبسي
وسّع القانون مفهوم حالة التلبس، لكنه في المقابل شدد على الضمانات المقررة للمشتبه فيه، خاصة ما يتعلق بإشعاره بحقوقه، وبآجال البحث، وبتمكينه من الاتصال بمحاميه في الحالات المنصوص عليها قانونًا.
المحور الثالث: التحقيق الإعدادي وتعزيز حقوق الدفاع
أولًا: توسيع سلطات قاضي التحقيق
منح القانون 03.23 لقاضي التحقيق صلاحيات أوسع في تدبير التحقيق الإعدادي، مع ضبط دقيق لإجراءات إصدار أوامر الإيداع والاعتقال، وربطها بالتعليل والضرورة.
وأبرزت الدورية أن الهدف ليس توسيع الاعتقال، بل ضبطه وترشيده، وجعله خيارًا استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا عند الاقتضاء.
ثانيًا: تكريس حقوق الدفاع أثناء التحقيق
- تمكين الدفاع من الاطلاع على ملف التحقيق في مراحل أوسع
- توسيع حق الطعن في أوامر قاضي التحقيق
- ضبط آجال التحقيق تفاديًا للإطالة غير المبررة
ويُعد ذلك تجسيدًا عمليًا لمبدأ تكافؤ الأسلحة بين الدفاع والاتهام.
المحور الرابع: الاعتقال الاحتياطي والتدابير البديلة
أولًا: الاعتقال الاحتياطي كإجراء استثنائي
أكد القانون 03.23، بشكل صريح، أن الاعتقال الاحتياطي إجراء استثنائي، لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى، وبعد استنفاد البدائل. وشددت الدورية على ضرورة التعليل المفصل لأوامر الاعتقال، ومراعاة خطورة الفعل وشخصية المتهم، واحترام آجال الاعتقال.
ثانيًا: توسيع بدائل الاعتقال
وسّع المشرع نطاق التدابير البديلة، مثل المراقبة القضائية، والكفالة، والمنع من السفر، والالتزام بالحضور. ويعكس هذا التوجه رغبة تشريعية في الحد من الاكتظاظ السجني وتحقيق عدالة جنائية أكثر إنسانية.
| نوع الجريمة | المدة الأصلية | إمكانية التمديد |
|---|---|---|
| الجنح | شهر واحد | مرة واحدة |
| الجنايات | شهران | مرة واحدة |
| جرائم معينة (استثنائية) | - | حتى 5 مرات |
المحور الخامس: مستجدات المحاكمة وطرق الطعن
أولًا: تحديث قواعد المحاكمة
عمل القانون على تبسيط إجراءات الاستدعاء، وتنظيم أدق لسير الجلسات، وتعزيز علنية المحاكمة وضمان حقوق الدفاع.
ثانيًا: إعادة تنظيم طرق الطعن
أعاد المشرع تنظيم الاستئناف والنقض، من حيث توسيع نطاقهما، وضبط آجالهما، وتحديد آثارهما القانونية. وأكدت الدورية على دور محكمة النقض في توحيد الاجتهاد القضائي وضمان الأمن القانوني.
المحور السادس: تنفيذ الأحكام وتعزيز دور النيابة العامة
نظم القانون 03.23 مرحلة تنفيذ الأحكام بشكل أكثر دقة، مع توضيح دور النيابة العامة في الإشراف على التنفيذ، وضمان حقوق المحكوم عليه أثناء التنفيذ، وضبط آجال التنفيذ وتفادي التعسف.
- التخفيض التلقائي للعقوبة: لفائدة السجناء ذوي السلوك الحسن
- قاضي تطبيق العقوبات: توسيع صلاحياته للإشراف على العقوبات البديلة
- السجل العدلي المركزي: قاعدة بيانات مركزية لبطائق السجل العدلي
- تقليص مدة رد الاعتبار: من 5 سنوات إلى سنة واحدة
خاتمة
يُظهر تحليل مستجدات قانون المسطرة الجنائية في ضوء القانون 03.23، كما فسّرته دورية رئاسة النيابة العامة، أن المشرع المغربي اتجه نحو إرساء عدالة جنائية أكثر توازنًا، تجمع بين فعالية الزجر واحترام الحقوق والحريات.
غير أن نجاح هذا الإصلاح يظل رهينًا بحسن التطبيق، وتوحيد الممارسة القضائية، واستحضار الفلسفة الحقوقية التي أُسِّس عليها النص، بعيدًا عن القراءة الحرفية الجامدة.
ويبقى دور القضاة والنيابة العامة والشرطة القضائية محوريًا في تنزيل هذه المستجدات، بما يحقق الثقة في العدالة ويعزز دولة القانون.
تعليقات
إرسال تعليق