الإثبات الإلكتروني بين قانون الالتزامات والعقود ورهان التحول الرقمي بالمغرب
- الإثبات الإلكتروني دخل عملياً ضمن القواعد العامة للإثبات بالكتابة وليس "ترفاً تقنياً"
- المحرر الإلكتروني له نفس قوة المحرر الورقي بشرطين: التعرّف القانوني على المصدر + ضمان التمامية
- التوقيع الإلكتروني المؤهل قرينة على الوثوق بالوسيلة، وتتقوى الحجية أكثر مع الختم الزمني الإلكتروني المؤهل
- مع اتساع الرقمنة، تتسع معها نزاعات الإثبات: الوجود الرقمي للدليل لا يعني قوته
جوهر الإثبات الإلكتروني ليس "وجود ملف رقمي"، بل تحقق شرطين: النِّسبة (من صدر عنه؟) والتمامية (هل عبث به؟).
1) لماذا صار الإثبات الإلكتروني قضية مركزية؟
لأن الواقع تغيّر: إعلان عرض، قبول، دفع، تسليم، إشعار بالتوصل، وحتى إنهاء العقد… كلها قد تتم إلكترونياً. وعند النزاع يكون الدليل الطبيعي "أثراً رقمياً": بريد إلكتروني، سجل منصة (Logs)، رسالة تطبيق، وثيقة PDF، أو توقيع إلكتروني.
كلما توسعت الخدمات الرقمية، ارتفع حجم المعاملات وارتفع معه حجم المنازعات حول:
- من أنشأ الوثيقة؟
- متى أُنشئت؟
- هل عُدلت؟
- هل تم جمعها بطريقة مشروعة؟
أ) التحول الرقمي يخلق نوعين من الأدلة
| النوع | الوصف | أمثلة |
|---|---|---|
| محررات مُهيكلة | وثائق منظمة وذات شكل ثابت | عقود إلكترونية، فواتير، وثائق موقعة |
| آثار غير مُهيكلة | بيانات متفرقة قابلة للاجتزاء | محادثات، لقطات شاشة، إشعارات، سجلات |
ب) المشكلة الواقعية: "الدليل موجود" لا يعني "الدليل مُقنع"
كثير من الملفات تُقدَّم فيها وثائق رقمية بلا سياق تقني ولا ضمانات سلامة، فيتحول النزاع من موضوع الحق إلى معركة حول مصداقية الدليل.
2) الإطار القانوني بالمغرب: من الاعتراف إلى الحجية
الإطار المغربي لم يكتفِ بالاعتراف بالشكل الإلكتروني، بل ربطه بآليات تحقق الثقة: التوقيع، تمامية الوثيقة، والختم الزمني، وبذلك صار الإثبات الإلكتروني امتداداً لقواعد الإثبات بالكتابة، لا نظاماً منفصلاً عنها.
قد تجد في بعض المراجع القديمة عبارة "التوقيع الإلكتروني المؤمن". في الصياغات الأحدث من النصوص المُحيَّنة، المصطلح المعتمد هو "التوقيع الإلكتروني المؤهل"، وكذا "الختم الزمني الإلكتروني المؤهل".
2.1) الكتابة الإلكترونية كشكلية لصحة التصرف (الفصل 2.1)
إذا اشترط القانون الكتابة لصحة تصرف قانوني، أمكن إعدادها وحفظها إلكترونياً وفق شروط النسبة والتمامية (الفصلين 417-1 و417-2).
لا تُعامل كل وثيقة رقمية بنفس المنطق. توجد مجالات استثناها المشرع من هذا الباب، أهمها:
- الوثائق المتعلقة بتطبيق أحكام مدونة الأسرة
- المحررات العرفية المتعلقة بالضمانات الشخصية أو العينية ذات الطابع المدني أو التجاري (مع استثناءات مهنية منصوص عليها)
2.2) حجية المحرر الإلكتروني: نفس القوة… بشرطين (الفصل 417-1)
القاعدة واضحة: الوثيقة المحررة على دعامة إلكترونية تتمتع بنفس قوة الإثبات كالوثيقة الورقية، بشرطين:
| الشرط | المعنى العملي |
|---|---|
| التعرف القانوني على المصدر | ربط الوثيقة بشخص محدد قانوناً (هوية/صفة/سلطة) |
| ضمان التمامية | إعداد وحفظ يمنع التعديل دون أثر أو يكشفه |
صياغة الفصل 417-1 تجعل النزاع يدور غالباً حول: هل استوفيت الوثيقة شرط النسبة؟ وهل طريقة حفظها تضمن تماميتها؟
2.3) التوقيع الإلكتروني: وظيفة مزدوجة (الفصل 417-2)
وظيفة التوقيع — ورقياً أو رقمياً — مزدوجة:
- يُعرِّف بالشخص الموقع
- يُعبِّر عن قبوله للالتزامات الناتجة عن الوثيقة
وعندما يكون التوقيع إلكترونياً، يلزم استعمال وسيلة تعريف موثوق بها تضمن ارتباطه بالوثيقة.
2.4) التوقيع الإلكتروني المؤهل والختم الزمني الإلكتروني المؤهل (الفصل 417-3)
هنا ترتفع الحجية فعلاً:
- يفترض الوثوق في الوسيلة المستعملة عندما تتيح استخدام توقيع إلكتروني مؤهل إلى أن يثبت العكس
- وتتمتع الوثيقة المذيلة بـتوقيع إلكتروني مؤهل وختم زمني إلكتروني مؤهل بنفس قوة الإثبات التي تتمتع بها الوثيقة المصادق على صحة توقيعها والمذيلة بتاريخ ثابت
التوقيع المؤهل + الختم الزمني المؤهل يضيقان مساحة الإنكار والتلاعب، خصوصاً في نزاعات التاريخ، والصدور، وتعديل المحتوى.
3) كيف تُقيِّم المحكمة الإثبات الإلكتروني؟
بدل الكلام العام، هذا تحويل عملي لمعايير الفحص:
| المعيار | ماذا يعني؟ | أمثلة شائعة | كيف تعززه؟ |
|---|---|---|---|
| تحديد المصدر | ربط الوثيقة بشخص محدد قانوناً | بريد مهني، عقد موقّع، شهادة رقمية | توقيع مؤهل، بيانات اعتماد، محضر معاينة |
| تمامية المحتوى | عدم قابلية العبث دون أثر | PDF، سجلات منصة، مرفقات | ختم زمني مؤهل، بصمة رقمية (Hash)، حفظ آمن |
| سياق الإنشاء | لماذا أُنشئت الوثيقة؟ | طلب شراء، شروط منصة، إشعار تسليم | سلسلة مراسلات، رقم طلب، فاتورة |
| قانونية الحصول | هل جُمعت دون خرق؟ | تسجيلات، رسائل خاصة، بيانات شخصية | طرق رسمية، احترام قواعد حماية المعطيات |
4) أكثر الأدلة الرقمية حضوراً في النزاعات
4.1) البريد الإلكتروني
يقوى عندما يكون: مهنياً، متسلسلاً، مع مرفقات/أرقام طلبات، وتوجد عناصر تحقق (Headers/منصة/سجل). يضعف عندما يكون معزولاً أو منتحلاً دون قرائن.
4.2) رسائل التطبيقات (واتساب/تلغرام…)
هي الأكثر استعمالاً والأكثر جدلاً:
- لقطات الشاشة قابلة للطعن بسهولة
- الهوية والسياق قد يكونان محل نزاع
إذا كان الدليل "سكرينشوت فقط"، اعتبره ضعيفاً حتى تُضيف: السياق + هوية الحساب + طريقة توثيق/حفظ تمنع التلاعب أو تكشفه.
4.3) سجلات المنصات (Logs) والإشعارات
قد تكون قوية جداً لأنها تُنتج داخل أنظمة معلومات، لكن قوتها ترتبط بإمكانية:
- توثيقها بمحضر معاينة
- أو تأكيدها بخبرة تقنية
- أو استخراجها رسمياً من الجهة المالكة للمنصة/النظام
4.4) الفاتورة الإلكترونية وإثبات الأداء
في نزاعات كثيرة يكفي بناء "سلسلة واحدة":
طلب ← قبول ← أداء ← تسليم
وغالباً إثبات الأداء هو حجر الزاوية.
5) خدمات الثقة: لماذا القانون رقم 20-43 مهم؟
لأنه يؤطر "الثقة الرقمية" على مستوى:
- التوقيع
- الختم/الختم الزمني
- الشهادات
- ومقدمي خدمات الثقة
هذا القانون ليس تفصيلاً جانبياً؛ هو الذي يجعل الإثبات الإلكتروني قابلاً للتحقق خارج السجال النظري.
6) دليل عملي: كيف تُحضِّر ملف إثبات إلكتروني قوي؟
تعامل مع الإثبات الإلكتروني كسلسلة، لا كلقطة.
خطوات عملية
- حدِّد الواقعة المراد إثباتها بدقة (تعاقد/فسخ/إشعار/أداء/تسليم)
- اجمع العناصر الرقمية الأصلية قدر الإمكان (الرسالة الأصلية، المرفقات، روابط، سجلات…)
- احفظ النسخ بطريقة تمنع التعديل أو تكشفه (نسخ مؤرشفة/حفظ آمن)
- إذا كان الدليل من منصة/موقع: فكّر في محضر معاينة أو استخراج رسمي أو خبرة
- اربط الدليل بالهوية: من هو صاحب الحساب؟ ما صفته؟ كيف تثبت ذلك؟
- رتب الملف زمنياً: قبل/أثناء/بعد مع جدول تلخيص
جدول أخطاء شائعة وتصحيحها
| عنصر الملف | الخطأ الشائع | التصحيح العملي |
|---|---|---|
| لقطة شاشة | بدون سياق/تاريخ/هوية | أضف السياق + ربط بالهوية + توثيق |
| بريد إلكتروني | نسخ/لصق نص فقط | أرفق الرسالة الأصلية + سلسلة المراسلات |
| وثيقة PDF | قابلة للتعديل بلا توثيق | توقيع إلكتروني مؤهل أو ختم زمني مؤهل أو توثيق |
| سجل منصة | طباعة بلا إثبات مصدر | استخراج رسمي/خبرة/معاينة تربط السجل بالحساب |
7) حدود الإثبات الإلكتروني: الخصوصية، الأمن، والتزييف
ثلاث مخاطر عملية:
- الخصوصية وحماية المعطيات: جمع الدليل بطرق تمس بالخصوصية قد يضعف ملفك بدل أن يقويه
- الأمن السيبراني: اختراق/تعديل ينسف التمامية
- التزييف العميق: قد ينتقل النزاع من "هل وقع الالتزام؟" إلى "هل الدليل مُزيّف؟"
8) رهان التحول الرقمي بالمغرب: معيار مهني بدل الفوضى
التحول الرقمي الحقيقي يعني: معاملات تُنجز عن بعد، ثم نزاعات تُحسم بأدلة رقمية مقبولة وقابلة للتحقق.
- تحقق هوية المصدر
- تحقق سلامة المحتوى
- احترام قانونية الحصول
📌 خلاصات عملية مركزة
- الإثبات الإلكتروني = كتابة + هوية + تمامية + (توقيع/ختم زمني عند الحاجة)
- لقطة شاشة وحدها غالباً لا تكفي: ابنِ سلسلة أدلة لا "صورة"
- التوقيع الإلكتروني المؤهل يرفع كلفة الإنكار ويقوي الحجية، والختم الزمني المؤهل يقوي عنصر التاريخ
- توثيق الدليل مبكراً أفضل من ترقيعه بعد رفع الدعوى
أسئلة شائعة حول الإثبات الإلكتروني
📎 المصادر والمراجع
- قانون الالتزامات والعقود: الفصل 2.1 (الكتابة الإلكترونية كشكلية مع الاستثناءات) - Adala
- قانون الالتزامات والعقود: الفصلان 417-1 و417-2 (النِّسبة والتمامية ووظيفة التوقيع) - Adala
- قانون الالتزامات والعقود: الفصل 417-3 (التوقيع الإلكتروني المؤهل والختم الزمني الإلكتروني المؤهل وحجيتهما) - Adala
- القانون رقم 20-43 / 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية - DGSSI
تعليقات
إرسال تعليق