أثار وأحكام عقد البيعانتقال الملكية؛التزامات البائع؛التزامات المشتري؛
لا مراء؛ في أن عقد البيع كغيره من العقود الرضائية الأخرى يحتاج إلى توافق الإرادتين على العناصر الجوهرية المكونة له، أما العناصر الثانوية لعقد البيع فيمكن أن تكون موضوعا لاتفاقات لاحقة إذا لم يكن لها تأثير على طبيعة العقد وتكييفه القانوني (الفصل 19)؛ وهو ما أكده المشرع في الفصل 488 ق.ل.ع، بقوله: "يكون البيع تاما بمجرد تراضي عاقديه أحدهما بالبيع والآخر بالشراء وباتفاقهما على المبيع والثمن وشروط العقد الأخرى".
وإبرام عقد البيع وفقا لما هو منصوص عليه في القانون أو ارتضاه الأطراف بمقتضى الاتفاق ويكون مستجمعا لأركانه وعناصر صحته؛ فإنه يترتب على ذلك جملة من الآثار القانونية الملقاة على عاتق كل من البائع والمشتري على حد سواء، فضلا عن أهم أثر وهو انتقال ملكية الشيء المبيع من البائع إلى مشتريه .
والبين؛ أن المشرع جعل من أثار عقد البيع انتقال الملكية بشكل مستقل عن جعله التزاما للبائع، كما فعلت بعض التشريعات التي جعلت نقل الملكية من الالتزامات الأساسية للبائع.
ولعل؛ انتقال ملكية الشيء المبيع من البائع للمشتري؛ يعتبر أثرا مباشرا بمجرد إبرام عقد البيع؛ باعتبار أن هذا الانتقال يتم بمجرد تمام عقد البيع ولا يحتاج إلى تدخل من البائع؛ وذلك ما أكده المشرع في الفصل 491، بقوله: "يكسب المشتري بقوة القانون ملكية الشيء المبيع، بمجرد تمام العقد بتراضي طرفيه".
إلا أن هذا المبدأ لا يشكل قاعدة مطلقة، إذ هناك حالات استثنائية يتم فيها إبرام عقد البيع إلا أنه انتقال الملكية فيها يتأخر إلى وقت لاحق.
وفضلا عن ذلك؛ فإن من أثار عقد البيع ما ينسب القيام به للبائع؛ وقد تكلف الفصل 498 ق.ل.ع، بتبيان ذلك؛ إذ إن البائع يتحمل إزاء المشتري بالتزامين أساسين هما: الالتزام بتسليم الشيء المبيع؛ والالتزام بضمانه .
إذ يعتبر الالتزام بالتسليم؛ من أهم الالتزامات الملقاة على عاتق البائع، والتسليم؛ باعتباره المظهر الحقيقي الذي تتجسد فيه الملكية؛ فالمشرع نظم أحكامه المتعلقة بمضمون الالتزام بتسليم المبيع من تحديد طرقه وموضوعه ومكانه وزمانه ومصروفاته، ثم حدد جزاء إخلال البائع بتسليم الشيء المبيع .
بالإضافة للالتزام بتسليم المبيع للمشتري، فإن البائع يتحمل بضمان الشيء المبيع حتى يتمكن المشتري من الاستفادة بالشيء المتعاقد عليه وفقا لما أعد له هذا الشيء بطبيعته أو بمقتضى الاتفاق؛ ولعل الضمان الواجب على البائع للمشتري يشمل أمرين؛ حسب الفصل 532 ق.ل.ع، وهما ضمان الاستحقاق (يفيد ضمان البائع حوز المشتري المبيع والتصرف فيه بلا معارض)، وضمان العيب؛ والضمان هو يلزم البائع بقوة القانون، حتى وإن لم يشترط بين طرفيه، كما أن حسن النية لدى البائع لا يعفيه من تحمل الضمان .
وحيث إن عقد البيع من العقود الملزمة لجانبين؛ فإن المشتري بدوره يتحمل بالتزامات إزاء البائع؛ إذ حسب الفصل 576 ق.ل.ع، فإن المشتري بدوره يتحمل بالتزامين أساسيين إزاء البائع؛ وهما التزامه بدفع الثمن، والالتزام بتسلم الشيء المبيع .
وتبرز أهمية الموضوع في الوقوف عند أثار عقد البيع الثلاث؛ انتقال الملكية، التزامات البائع، التزامات المشتري انطلاقا من مقتضيات قانون الالتزامات والعقود والقوانين الخاصة ذات الصلة بالموضوع، خاصة القانون 31.08 حينما يتعلق الأمر ببيوع الاستهلاك، والقانون 44.00 (المعدل بالقانون 107.12) المتعلق ببيع العقار في طور الإنجاز، وباقي القوانين ذات الصلة بموضوع البيع نظرا لتعدد المحال التي يقع عليها عقد البيع (منقولات، عقارات، سيارات، منتوجات سلع ...)
وعليه؛ نطرح الإشكال الآتي: ما هي الآثار المترتبة على البيع المنعقد تاما وصحيحا على ضوء مقتضيات ظهير الالتزامات والعقود؟؟ وما هي خصوصية ذلك في القوانين الخاصة لاسيما القانون 31.08 بالنسبة للبيوع الاستهلاكية؟ والقانون 107.12 وباقي القوانين المنظمة ببيوع معينة ؟؟
المطلب الأول: انتقال الملكية
الفقرة الأولى: حدود انتقال الملكية للمشتري بمجرد إبرام عقد البيع
أولا: نطاق مبدأ انتقال الملكية للمشتري بمجرد تمام البيع
ثانيا: الاستثناءات الواردة على مبدأ انتقال الملكية بمجرد إبرام عقد البيع
الفقرة الثانية: الآثار الفرعية الناتجة عن انتقال الملكية بمجرد إبرام عقد البيع
أولا: حرية التصرف في المبيع والثمن
ثانيا: تحمل تبعات الهلاك والضياع
ثالثا: التحمل بالمصاريف والواجبات القانونية
المطلب الأول: انتقال الملكية
جعل المشرع من أثار عقد البيع انتقال الملكية عكس بعض التشريعات التي جعلت نقل الملكية من الالتزامات الأساسية للبائع.
وعليه؛ يعتبر انتقال ملكية الشيء المبيع من البائع للمشتري؛ أثرا مباشرا بمجرد إبرام عقد البيع. فالمشرع المغربي وعلى غرار المشرع الفرنسي تناول مسألة انتقال الملكية ضمن أثار عقد البيع بوجه عام، باعتبار أن هذا الانتقال يتم بمجرد تمام عقد البيع ولا يحتاج إلى تدخل من البائع.
وبناء على ما سبق؛ سنتناول انتقال الملكية من خلال الوقوف عند؛ حدود انتقال الملكية للمشتري بمجرد إبرام عقد البيع (الفقرة الأولى)، ثم الآثار الفرعية الناتجة عن انتقال الملكية بمجرد إبرام عقد البيع (الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى: حدود انتقال الملكية للمشتري بمجرد إبرام عقد البيع
أكد المشرع على مبدأ انتقال ملكية الشيء المبيع مباشرة للمشتري أي بمجرد إبرام عقد البيع؛ وذلك في الفصل 491، بقوله: "يكسب المشتري بقوة القانون ملكية الشيء المبيع، بمجرد تمام العقد بتراضي طرفيه".
ولعل هذا المبدأ لا يشكل قاعدة مطلقة، إذ هناك حالات يتم فيها إبرام عقد البيع إلا أنه انتقال الملكية فيها يتأخر إلى وقت لاحق.
وعليه سنقف عند نطاق مبدأ انتقال الملكية بمجرد تمام البيع (أولا)، ثم الاستثناءات الواردة على مبدأ انتقال الملكية بمجرد إبرام عقد البيع (ثانيا)
أولا: نطاق مبدأ انتقال الملكية للمشتري بمجرد تمام البيع
بالرغم من عمومية المبدأ المنصوص عليه في الفصل 491 من ق.ل.ع الذي جعل الملكية تنتقل من البائع للمشتري بمجرد تمام العقد؛
ولعل أثر انتقال الملكية بمجرد تمام البيع، تترتب عنه نتائج وهي:
انتقال الملكية يكون فوريا؛
لا يهم هل وقع التسليم أم لا؛
المهم هو حصول التعاقد بين البائع والمشتري .
والبين من المقتضيات المنظمة للبيع؛ أن المشرع لئن كان لم يفصح صراحة عن نطاق مبدأ انتقال الملكية بمجرد تمام البيع، إلا أننا نستنتج ضمنيا أنه؛ قصرها على البيوع التي يكون موضوعها عن المنقولات التي تسري عليها قاعدة "الحيازة في المنقول سند الملكية". وهذا يفضي إلى استبعاد جملة من البيوع من هذا النطاق، ويهم الأمر:
البيوع العقارية بمختلف أنواعها (المحفظة وغير المحفظة، والحقوق العينية)؛
بيع المنقول إذا ورد على شيء غير محدد إلا بالنوع؛
بيع المنقول إذا كان معلقا على شرط واقف؛
بيع المنقول إذا كان مرهونا بممارسة خيار معين .
ثانيا: الاستثناءات الواردة على مبدأ انتقال الملكية بمجرد إبرام عقد البيع
يرد على المبدأ المنصوص عليه في الفصل 491 من ق.ل.ع عدة استثناءات تحد من تطبيقه لاعتبارات قانونية أو واقعية حيث أن انتقال الملكية من البائع للمشتري بالرغم من حصول التوافق على العناصر الأساسية لعقد البيع قد يتأخر لوقت لاحق على إبرام عقد البيع (2)، وقد يستلزم هذا الانتقال احترام شكلية قانونية لا يكتمل العقد إلا بوجودها (1) .
1/ الحالات التي يتوقف فيها انتقال الملكية من البائع للمشتري على احترام بعض الإجراءات الشكلية
تعد البيوع العقارية من أهم الحالات التي يتوقف فيها انتقال الملكية من البائع للمشتري على احترام شكلية الكتابة والتسجيل وفقا لما يقضي به القانون. ونميز بين:
إذا تعلق الأمر ببيع عقار غير محفظ أو حقوق عقارية أو أشياء منقولة يمكن رهنها رهنا رسميا (من بين هذه المنقولات التي يسري عليها هذا الحكم بيع السفن والطائرات التي خصها المشرع بقواعد مستقلة؛ حسب الفصل 71 من ظهير 31/3/1919 المعتبر بمثابة قانون للتجارة البحرية. وكذا نص الفصل 22 من ظهير 10/7/1961 المتعبر بمثابة قانون للملاحة الجوية؛ حيث لا يعتد ببيع هذه المنقولات إلا إذا كان البيع كتابة وتم تسجيله في السجل المخصص لذلك) ؛ فإنه يتعين تدوين البيوع الواردة على هذه الأشياء والحقوق كتابة في محرر ثابت التاريخ ولا يكون لذلك أثر في مواجهة الغير إلا إذا سجل في الشكل المحدد بمقتضى القانون؛ حيث نص الفصل 489 من ق.ل.ع، على: "إذا كان المبيع عقارا أو حقوقا عقارية أو أشياء أخرى يمكن رهنها رسميا، وجب أن يجري البيع كتابة في محرر ثابت التاريخ، ولا يكون لها أثر في مواجهة الغير إلا إذا سجل في الشكل المحدد بمقتضى القانون" .
أما إذا تعلق الأمر بالبيع الوارد على العقار المحفظ؛ فإنه بالإضافة إلى احترام شكلية الكتابة، يتعين أيضا تسجيله في السجل العقاري وفقا لما هو منصوص عليه في المواد 65، 66، 67 من ظهير التحفيظ العقاري المعدلة بمقتضى القانون 07-14 المتعلقة بحجية التقييدات الواردة في السجلات العقارية تجاه كل من الغير والأطراف التي ساهمت في إبرام هذه البيوع العقارية، حيث ورد في الفصل 67 من ظهير التحفيظ بأن: "الأفعال الإرادية والاتفاقات التعاقدية الرامية إلى تأسيس حق عيني أو نقله إلى الغير أو الإقرار به أو تغييره أو إسقاطه لا تنتج أي أثر ولو بين الأطراف إلا من تاريخ التقييد بالرسم العقاري دون الإضرار بما للأطراف من حقوق في مواجهة بعضهم البعض وكذا بإمكانية إقامة دعاوى فيما بينهم بسبب عدم تنفيذ اتفاقاتهم" . وحسب ما ورد في المادتين 66 من ظهير التحفيظ العقاري في صيغته المعدلة بمقتضى القانون رقم 07-14، وكذا المادة 2 من ظهير الحقوق العينية رقم 39-08؛ فإن أثار هذه التقييدات لا تقتصر على المتعاقدين فقط بل تسري على الغير ذي النية الحسنة .
وعليه يتبين؛ بأن البيوع العقارية تستلزم احترام بعض الشكليات القانونية كالكتابة أو القيد في السجلات العقارية، أما انتقال الملكية من البائع للمشتري فإنه يختلف بدوره باختلاف نوعية العقار المبيع؛ فإذا كان محل العقد من العقارات غير المحفظة أو أشياء منقولة يمكن رهنها رهنا رسميا فإن ملكيتها تنتقل من البائع للمشتري بمجرد تمام العقد وفقا لما هو منصوص عليه في الفصلين 489 و 491 ق.ل.ع ولا يكون لهذا البيع من أثر تجاه الغير إلا إذا سجل في الشكل المحدد بمقتضى القانون أما إذا كان محل البيع عقارا محفظا فإن انتقال الملكية من البائع للمشتري يرتبط ارتباطا وثيقا بتقييد هذا البيع في الرسم العقاري وفقا لما هو منصوص عليه في الفصول من 65 إلى 67 من ظهير التحفي العقاري المعدلة بمقتضى القانون رقم 07-14 وكذا بما ورد في المادة 2 من القانون رقم 39-08 المعلق بمدونة الحقوق العينية.
2/ الحالات التي يتأخر فيها انتقال الملكية لأسباب قانونية أو اتفاقية
قد يتأخر انتقال الملكية من البائع للمشتري بالرغم من إبرام عقد صحيح بين الطرفين، إما لأسباب قانونية (أ)، أو اتفاقية (ب) .
أ: تأخير انتقال الملكية بمقتضى نص في القانون
هناك الكثير من الحالات التي قرر فيها المشرع بأن ملكية المبيع لا تنتقل للمشتري إلا بتحقق السبب الموجب لهذا الانتقال وذلك بغض النظر عن الفترة الزمنية التي أبرم فيها العقد من ذلك ما يلي:
بيع المنقول المثلي المعين بالنوع أو القياس أو الكيل أو الموقوف على شرط التجربة أو المذاق؛ حيث أن ملكية المبيع لا تنتقل للمشتري إلا بفرز هذا الشيء أو تحديده تحديدا نافيا للجهالة وذلك بقياسه أو عده أو كيله أو بعد ممارسة المشتري لحقه في المذاق أو التجربة، الفصل 494 ق.ل.ع .
بيوع القسط؛ هناك بعض الأنماط من بيوع التقسيط التي يتم فيها إرجاء انتقال الملكية إلى ما بعد تسديد الأقساط النهائية كبيع السيارات بالسلف الذي لا تنتقل فيه الملكية للمشتري إلا بعد سداده لكل الأقساط التي تعهد بأدائها للطرف الأخر (الفصل 6 من ظهير 17/7/1936 المتعلق بمثابة القانون المنظم لبيع السيارات عن طريق السلف) ، وأيضا القروض الهادفة إلى بناء أو شراء الدور السكنية في إطار تعاوني (الفصل 49 من مرسوم 27/12/1968 المتعلق بالقروض التي يمنحها القرض العقاري والفندقي لأجل بناء وشراء الدور السكينة) ، حيث أن انتقال الملكية يتأخر إلا بعد سداده لكل الأقساط التي تعهد بأدائها للطرف الأخر.
بيع الثمار على الأشجار ومنتجات البساتين والمحصولات الزراعية قبل جنيها؛ فهذا البيع يندرج ضمن بيع الأشياء المستقبلية التي لا يتحدد مصيرها إلا بجنيها، لذلك فإن ملكيتها لا تنتقل في الواقع للمشتري إلا عند حلول هذا الموعد (الفصل 497 ق.ل.ع).
بيع العقارات في طور الإنجاز وفقا للفصل 618 وما يليها من ق.ل.ع (القانون 44.00) .
بيع منتوج الأشجار والغلل ومواد المقالع العائدة للأوقاف العامة؛ فقد ورد في المادة 77 من مدونة الأوقاف المؤرخة في 23/2/2010 بأنه: "في حالة بيع الغلل عن طريق السمسرة طبقا لأحكام المادة 61 من القانون المشار إليه أعلاه فإن المزايد الأخير يؤدي الثمن والصوائر بمجرد مصادقة رئيس لجنة السمسرة على نتيجتها وتنتقل ملكية المبيع إليه ابتداء من تاريخ المصادقة على البيع" .
ب: تأخير انتقال الملكية بمقتضى الاتفاق
يمكن للأطراف في إطار مبدأ سلطان الإرادة الاتفاق على تأخير نقل الملكية للمشتري لاعتبارات موضوعية أو شخصية، وهذا ما يتحقق بالنسبة لبيوع:
بيوع الاستصناع؛ (يعتبر النموذج الأكثر تداولا في الميدانين المدني والتجاري على حد سواء، وهو يندرج ضمن عائلة العقود التي ترد على شيء مستقبلي لا يكون له من وجود فعلي أثناء إبرام العقد)؛ إذ إن الملكية لا تنتقل للمشتري إلا بعد تحقق الشرط المانع من انتقال هذه الملكية، المتمثل في صنع الشيء المستقبلي .
بيوع الخيار؛ ينص الفصل 495، على أنه: "إذا كان البيع على التخيير، مع تحديد أجل للاختيار فإن المشتري لا يتحمل تبعة الهلاك، إلا من وقت تحقق الشرط، ما لم يتفق على غير ذلك"؛ إذ إن الملكية لا تنتقل للمشتري إلا بعد تحقق الشرط المانع من انتقال هذه الملكية، المتمثل في ممارسة الخيار الثابت للمشتري .
البيوع المعلقة على شرط واقف؛ (الفصول 601 إلى 612 من ق.ل.ع)؛ إذ إن الملكية لا تنتقل للمشتري إلا بعد تحقق الشرط المانع من انتقال هذه الملكية، المتمثل في تحقق الشرط الواقف .
الفقرة الثانية: الآثار الفرعية الناتجة عن انتقال الملكية بمجرد إبرام عقد البيع
أولا: حرية التصرف في المبيع والثمن
بمجرد تمام البيع فإنه يحق لكل من البائع والمشتري التصرف في موضوع البيع ولو قبل حصول عملية التسليم؛ وهو ما نص عليه الفصل 492 في فقرته الأولى: "بمجرد تمام البيع، يسوغ للمشتري تفويت الشيء المبيع ولو قبل حصول التسليم، ويسوغ للبائع أن يحيل حقه في الثمن ولو قبل الوفاء". إذ يحق:
يحق للمشتري تفويت الشيء المبيع؛
كما يحق للبائع التصرف في الثمن بمختلف أوجه التصرف القانونية.
وإذا كان للشيء المبيع ثمارا أو منتجات أو زوائد فإنه يحق:
يحق للمشتري أن يتصرف فيها منذ هذا التاريخ باعتبارها جزءا لا يتجزأ من المبيع؛ حيث ينص الفصل 515 من ق.ل.ع، على أنه: "للمشتري ثمار الشيء وزوائده، سواء كانت مدنية أم طبيعية، ابتداء من وقت تمام البيع. ويجب تسليمها إليه معه، ما لم يقض الاتفاق بخلافه" .
غير أن المشرع استثنى من تطبيق حكم التصرف بمجرد تمام البيع، في بيع المواد الغذائية المنعقدة بين المسلمين حسب الفقرة الأخيرة من الفصل 492: "ولا يعمل بهذا الحكم في بيوع المواد الغذائية المنعقدة بين المسلمين"؛ لتعارض ذلك مع القاعدة الفقهية التي تمنع بيع الطعام قبل قبضه لما يحيط ذلك من الربا الذي يفسد المعاملات بين المسلمين .
ولئن كانت القاعدة تقضي بإمكانية تصرف طرفي العقد في المبيع والثمن بمجرد تمام البيع؛ حسب الفقرة 1 من الفصل 492 ق.ل.ع، فإنه استثناءا لا يكون لطرفي العقد التصرف بمجرد البيع في حالة وجود اتفاق بينهما يقضي بخلاف ذلك؛ وهو ما أكده المشرع في الفقرة 2 من الفصل 492، بقوله: "وذلك ما لم يتفق المتعاقدان على خلافه" .
ثانيا: تحمل تبعات الهلاك والضياع
نص الفصل 493 من ق.ل.ع، على أن: "بمجرد تمام العقد،..، يتحمل المشتري تبعة هلاك المبيع، ولو قبل حصول التسليم، ما لم يتفق على غير لك"
وفقا لنص الفصل 493 من ق.ل.ع، فإن القاعدة العامة هي أنه بمجرد تمام عقد البيع فإن المشتري هو الذي يتحمل تبعة الهلاك والضياع، لكون أنه أصبح مالكا للشيء المبيع منذ هذا التاريخ؛ تطبيقا لقاعدة -الغرم بالغنم- ، (اللهم إذا اتفقا على أن يبقى البائع متحمل ذلك).
غير أن تطبيق هذه القاعدة يخضع لعدة استثناءات يبقى فيها البائع متحملا لتبعات الهلاك والضياع حتى بعد إبرام العقد بين الطرفين، ومن حالات هذه البيوع المستقبلية الآتي:
بيوع الخيار؛ الفصل 495: "إذا كان البيع على التخيير، مع تحديد أجل للاختيار فإن المشتري لا يتحمل تبعة الهلاك، إلا من وقت تحقق الشرط، ما لم يتفق على غير ذلك" .
البيوع الموقوفة على شرط التجربة أو المذاق؛ الفصل 494: "إذا وقع البيع بالقياس أو الكيل أو العد أو على شرط المذاق أو على أساس مجرد الوصف، فإن البائع يبقى متحملا تبعة هلاك المبيع، ما دام لم يجر قياسه أو كيله أو عده أو تجزئته أو مذاقه أو فحصه ولم يحصل قبوله من المشتري أو من نائبه، وذلك حتى ولو كان المبيع موجودا بالفعل في يد المشتري" .
وعموما فإنه متى كان البائع هو المتحمل لضمان المبيع بعد إبرام العقد، كما في حالتي الفصلين 494 و 495؛ فإن هذا يستمر إلى حين تسليمه للمشتري الشيء المبيع، إذاك يتخلص البائع من ضمان تبعة الهلاك؛ وهوما نص عليه الفصل 496 ق.ل.ع، بقوله: "يبقى الشيء المبيع أثناء نقله في ضمان البائع، الذي يتحمل تبعة هلاكه، إلى أن يتسلمه المشتري".
بيع الثمار على الأشجار ومنتجات البساتين والمحصولات قبل جنيها؛ الفصل 497 الذي ينص على: "في حالة بيع الثمار على الأشجار ومنتجات البساتين والمحصولات قبل جنيها يتحمل البائع تبعة هلاك المبيع إلى تمام نضجه"؛ حيث يتحمل البائع تبعة هلاك المبيع إلى حين تمام نضجه .
ثالثا: التحمل بالمصاريف والواجبات القانونية
ينص الفصل 493 ق.ل.ع، على أنه: "بمجرد تمام العقد، يتحمل المشتري الضرائب وغيرها من الأعباء التي يتحملها الشيء المبيع ما لم يشترط غير ذلك" ؛
وعليه فبمجرد تمام العقد فإن المشتري المبيع إذ أن المشتري يحل محل البائع في التحمل بهذه المصاريف والواجبات منذ انتقال الملكية إليه بصورة قانونية.
وسواء فيما يتعلق بحرية التصرف في المبيع أو الثمن، أو تحمل تبعة هلاك الشيء المبيع، أو تحمل المصاريف والواجبات القانونية؛ فإنها تلزم الطرفين بالشكل المحدد قانونا فقط إذا كان المبيع من المنقولات المعينة بالذات التي تنتقل بمجرد تمام عقد البيع.
أما إذا تعلق الأمر إذا تعلق الأمر ببيع عقار أو منقول معين بالنوع فانتقال الملكية لا يتم إلا باحترام بعض الشكليات التي تؤخر هذا الانتقال إلى أجل لاحق على إبرام عقد البيع، الأمر الذي يعني أن انتقال هذه الآثار (أي حرية التصرف، وتحمل تبعة الهلاك، وتحمل الضرائب والمصاريف القانونية) هو الآخر سيتأخر بدوره إلى أجل لاحق أيضا .

تعليقات
إرسال تعليق